المقدمة
تعدّ التقوى من أعظم القيم التي جاء بها الإسلام، فهي الميزان الحقيقي لكرامة الإنسان عند الله تعالى، قال سبحانه: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: 13]. وقد ورد ذكر التقوى في مواضع عديدة من القرآن الكريم، دلالةً على مركزيتها في بناء شخصية المسلم وتهذيب سلوكه، فهي ليست مجرد خُلُق فردي، بل منهج حياة شامل يضبط علاقة العبد بربه، وعلاقته بالناس، بل وحتى علاقته بالكون من حوله.
وتبرز أهمية دراسة موضوع التقوى في القرآن الكريم من كونها أصلاً جامعاً لمقاصد الشريعة، وغايةً كبرى للتكاليف الشرعية، إذ لا يكاد يخلو باب من أبواب العبادات والمعاملات إلا وتظهر فيه آثارها. كما أن فهم مفهومها ودلالاتها يعين على استيعاب حقيقة الدين، وإدراك مغزى الأوامر والنواهي، ويساعد على تربية جيلٍ مؤمنٍ متوازن يجمع بين صفاء العقيدة وصلاح السلوك.
ويهدف هذا البحث إلى:
- تحديد مفهوم التقوى كما ورد في القرآن الكريم، وبيان معانيها اللغوية والاصطلاحية.
- إبراز دلالاتها القرآنية، وكيف تناولها الوحي في سياقات متعددة (العبادة، الأخلاق، المعاملات، المواقف)
- توضيح أهميتها في حياة الفرد والمجتمع، ودورها في تحقيق الاستقامة والإصلاح، من خلال طرح نماذج قرآنية لبعض قصص القران الكريم من انبياء ومؤمنين واستخلاص هذه القيم والعبر منها.
وبذلك، فإن دراسة موضوع التقوى ليست مجرد بحث أكاديمي، بل هي محاولة لإحياء قيمة قرآنية عليا، والوقوف على أبعادها التي تحقق السعادة في الدنيا والنجاة في الآخرة.
المبحث الأول
ماهية التقوى
تُعد التقوى من المفاهيم الأساسية في الفكر الإسلامي، إذ تحتل مكانة مركزية في توجيه سلوك الإنسان وعلاقته بربه ومجتمعه. فالتقوى ليست مجرد خصلة أخلاقية، بل هي منهج حياة شامل يجمع بين الإيمان العميق، والالتزام العملي، والمراقبة الذاتية الدائمة. وقد حثت النصوص الشرعية على التحلي بالتقوى، وعدّتها أساسًا للفلاح في الدنيا والآخرة.
وفي ظل التحديات المعاصرة التي تواجه المجتمعات، تبرز أهمية دراسة مفهوم التقوى من منظور علمي موضوعي، لاستكشاف أبعادها الروحية والاجتماعية، ودورها في بناء الفرد الصالح والمجتمع المتماسك.
يركز هذا المبحث على ماهية التقوى، وتعريفها في اللغة والاصطلاح، وأثرها في حياة الإنسان، مستندًا إلى نصوص القرآن والسنة، وتحليل آراء العلماء والمفكرين، بهدف تقديم رؤية شاملة تساعد في فهم هذا المفهوم وتطبيقه في الواقع المعاصر.
المطلب الأول
تعريف التقوى لغة واصطلاحا
أولا: تعريف التقوى لغة "
ترتبط كلمة "التقوى" في الأصل اللغوي بجذر "وقى"، الذي يحمل معاني الوقاية والحماية والدفاع عن النفس من أي ضرر أو أذى. يقول ابن فارس في "معجم مقاييس اللغة": "الواو والقاف والحرف المعتل أصل يدل على دفع شيء عن شيء، فهو وقاه يقيه وقاية إذا حفظه".التقوى : الخشية والخوف، وتقوى الله لأوامره واجتناب نواهيه، واصله وقيا قلبوه للفرق بين الاسم والصفة (الزيات و واخرون، 1425هـ- 2004م.، صفحة 1052).
"التقوى مصدر من الفعل الثلاثي "وقى"، يقال: "وقاه الله يقيه وقاية"، ومعناه حفظه وستره. وقد ورد في "لسان العرب" أن مادة "وقى" تدل على صيانة الشيء وحمايته، ومن ذلك قولهم: "وقاه الله السوء" أي حفظه منه. ويقال في سياق مماثل: "اتقى الشيء" أي تجنّبه وابتعد عنه مخافة ضرره".
"ويُفهم من هذه المعاني أن التقوى في أصلها اللغوي تعني اتخاذ وقاية أو حاجز بين الإنسان وما يخشاه أو يحذر منه، (الله ويردي، 2024، صفحة 8) سواء أكان أذىً ماديًا أم معنويًا، دنيويًا أو أخرويًا. وعليه، فإن التقوى تتضمن عنصرين أساسيين: الخشية من الخطر والعمل على تجنب هذا الخطر".
"وقد أكد علماء اللغة هذا المعنى؛ فيقول الراغب الأصفهاني في "المفردات في غريب القرآن "والتقوى من وقى، الواو، والقاف، والياء، كلمة واحدة تدل على دفع الشيء عن شيء بغيره، والوقاية ما يقي الشيء، واتق الله تعالى، توقه، اجعل بينك وبينه كالوقاية" (زكريا، 1999، صفحة 131).
و"التقوى الاتقاء من عذاب الله، واقِ: حام وحافظ متقيا، يلزم الطاعة ويتجنب التضحية، المتقون اصحاب التقوى بطاعة الله والبعد عن المعصية، الأتقى: الأكثر تقوى" (هارون، 1997، صفحة 122).
"وقي: اتقى وتقى وتيقي كقضى يقضي والتقوى والتقى واحد، فقالوا ما اتقاه الله تعالى وتوقى واتقى بمعنى وقاه الله تعالى" (عبدالقادر، 2001، صفحة 305).
و"قاه وقيا ووقاية وأوقيه صانه كوقاه، والوقاية الحفظ، واتقيت الشيء وتقيته اتقيه تقى والاسم التقوى والأصل تقيا قلبوه للفرق بين الاسم والصفة كغزيا وصديا وقوله تعالى : ( وَمَا يَذْكُرُونَ إِلاَّ أَن يَشَآءَ الله هُوَ أَهْلُ التقوى وَأَهْلُ المغفرة ) (سورة المدثر، الآية 56)، أي أهل أن يتقي عقابه ( الفيروز ابادي، 2003، صفحة 1731).
"وقاه يقيه وقاية بالكسرة حفظه، واتقيت الله تعالى اتقاء، والتقية والتقوى اسم منه والتاء مبدلة من واو الأصل وقوى من وقيت لكنه ابدل ولزمت التاء تصاريف الكلمة والتقاة مثله وجمعها تقى" ( المقرني، 1978، صفحة 669).
و"المتقي من يقي نفسه عن تعاطي ما يعاقب عليه من فعل او ترك، واصل الاتقاء: الحجز" ( الهائم المصري، 1992، صفحة 54).
التاء بدل من الواو والواو بدل من الياء وقوله تعالى (الا ان تتقوا منهم تقاة) (ال عمران:28)، وقوله تعالى: ( وَمَا يَذْكُرُونَ إِلاَّ أَن يَشَآءَ الله هُوَ أَهْلُ التقوى وَأَهْلُ المغفرة ) (المدثر:56)، أي هو أهل أن يتقى عقابه واهل أن يعمل بما يؤدي إلى مغفرته.
وبذلك، فإن التقوى في اللغة هي اتخاذ الإنسان حاجزًا أو وقاية بينه وبين ما يخافه أو يحذره. يُقال: "اتَّقى الرجلُ السهمَ بدرعه"، أي جعله وقاية له من خطر السهم.
ثانيا: تعريف التقوى في الاصطلاح
"التقوى هي ترك الإصرار على المعصية وترك الاغترار بالطاعة وهي التي يحصل بها الوقاية من النار والفوز بدار القرار، وغاية التقى البراءة من كل شيء سوى الله تعالى، ومبدؤه اتقاء الشرك وأوسطه اتقاء الحرام والتقوى منتهى الطاعات والرهبة من مبادئ التقوى وقد تسمى التقوى خوفا وخشية ويسمى الخوف تقوى" ( الحسيني الكوفي، 1998، صفحة 299).
"وبذلك فقد انتقل مفهوم التقوى في الاصطلاح الإسلامي من المعنى اللغوي العام إلى معنى شرعي خاص يتعلق بعلاقة الإنسان بربه. حيث عرّفها العلماء بأنها: "امتثال أوامر الله واجتناب نواهيه، ابتغاء مرضاته وخوفًا من عقابه"،" (المشهداني، 2025، صفحة 11) فالتقوى أن تعمل بطاعة الله، على نور من الله، ترجو ثواب الله، وأن تترك معصية الله، على نور من الله، تخاف عقاب الله". ( الراغب الاصفهاني، 1997، صفحة 102)
"والوقاية حفظ الشيء مما يؤذيه ويضره قال تعالى: (فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَٰلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا) (الإنسان: 11)، فالتقوى هي حفظ النفس عما يؤثم وذلك بترك المحظور.
"والتقوى هي الاحتراز بطاعة الله تعالى عن عقوبته، وقيل التقوى التحامي اي الاحتراز عن المحرمات اجتناب المعاصي: أي أن يبتعد الإنسان عن كل ما نهى الله عنه، صغيرًا كان أم كبيرًا، والقيام بالفرائض والطاعات: أي المبادرة بفعل ما أمر الله به ورسوله، والإخلاص والمراقبة: أي أن يكون هذا العمل نابعًا من القلب، مراقبًا لله في السر والعلن. فقط" ( القاضي ، 2000، صفحة 232).
فهي اذن صيانة النفس عما يستحق به العقوبة، وفي الطاعة يراد لها: الإخلاص، وفي المعصية يراد لها الترك والحذر، وقيل المحافظة على الآداب في آداب الشريعة، وقيل هي مجانبة كل ما يبعدك عن الله تعالى ( الجرجاني، 1405ه، صفحة 90).
"وهي الاستقامة على طاعة الله تعالى ورسوله (صلى الله عليه وسلم) بإخلاص ومحبة وصدق وخشية الله تعالى بالغيب وفق ما بين أؤتمن على بيان القرآن رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اتقوا الله حيثما كنتم..." (رواه الترمذي). كما تعني الحرص على كل ما فيه مقربة الى الله تعالى تصل بالمؤمن الى حسن العافية والنهاية يوم الدين" (الصالح، 2000، صفحة 151).
"فهي اذن اتقاء الشر فما دونه من كل ذنب نهى الله تعالى عنه او توضيح واجب مما فرضه الله تعالى، وهي أن تجعل بينك وبين غضب الله وعذابه وقاية، وذلك بفعل أوامره واجتناب نواهيه، مع إخلاص النية والمراقبة الدائمة لله سبحانه في السر والعلن، فالتقوى الحقيقية تظهر عندما يكون الإنسان وحده، فيراقب الله في أفعاله وأقواله ونواياه فيحرص على أن تكون عبادته خالصة لله، بعيدة عن الرياء والسمعة" (الحاسبي، 2003، صفحة 34).
ولقد جاء ذكر الله تعالى التقوى في القرآن الكريم في مواضع كثيرة، مما يدل على مركزيتها في البناء الإيماني والأخلاقي للمسلم، ومن خلال الاستقراء يمكن حصر أهم الأسس التي تقوم عليها التقوى في ما يلي:
المطلب الثاني
مراتب التقوى في القرآن الكريم
انَّ للتقوى في القرآن الكريم مراتب متعددة، تتدرج بالإنسان من الأساسيات التي يقوم عليها الإيمان إلى المقامات العليا التي يبلغ بها درجة الإحسان لان القران الكريم هو مصدر التشريع الرئيسي ودستور المسلمين (خضر، 2012، صفحة 2)، وهذا التدرج يعكس طبيعة النفس البشرية التي تحتاج إلى التزكية شيئاً فشيئاً حتى تصل إلى الكمال الممكن. ويمكن بيان هذه المراتب على النحو الآتي:
- المرتبة الأولى: اجتناب الشرك والكفر وتحقيق التوحيد
وهي الأصل الذي لا قيام للتقوى بدونه، فالتوحيد هو الأساس الذي تُبنى عليه جميع الأعمال الصالحة، ولا تصح العبادة مع وجود الشرك. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ ٱلْخَاسِرِينَ﴾ [الزمر: 65]. فالتحقق بهذه المرتبة يعني دخول العبد في دائرة الإيمان، فالإيمان بالله وتوحيده هو الأساس الأول للتقوى؛ إذ لا يمكن أن تتحقق تقوى حقيقية مع وجود الشرك، وقد قرر ابن كثير أن هذه الآية أصل في أن التوحيد أساس القبول، وأن الشرك محبط لكل عمل (تفسير ابن كثير، ج7، ص88).
فالتوقى من الأعمال تقي صاحبها النار، وهي منجية من اكبر الكبائر الا هو الشرك والكفر، فهي السبيل الى التوحيد ونفي الشرك، وهي المقصودة بقوله تعالى: (فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَىٰ) (الفتح : الآية 26)، فمن الناس من لا يقي نفسه الخلود في النار، فيقر بالتوحيد ويصدق بالرسول (صلى الله عليه وسلم)، ويأتي بأركان الإسلام والإيمان ولكنه لا يحرص ان يقي نفسه دخول النار بالكلية فيفرط في الواجبات ويفعل المحرمات فينبغي ان يعلم هذا اي درجة من التقوى هو عليها ( فريد، 1993، صفحة 16)، لان مثله لا يستحق ان يطلق عليه اسم المتقي بإطلاق، لماذا؟ لأنه متعرض للعذاب مستحق للعقاب بما يفعله، الا ان يتداركه الله تعالى برحمته، لأن العصاة داخلون النار في المشيئة، اي ان شاء الله تعالى عفا عنهم، وان شاء عذبهم حسب أعمالهم حتى يخرجوا من النار يوما من الأيام.
- المرتبة الثانية: اجتناب الكبائر والفواحش
بعد تحصيل التوحيد، تأتي مرتبة ترك الكبائر والجرائم العظمى، كقتل النفس بغير حق، والزنا، وأكل أموال الناس بالباطل، وعقوق الوالدين. قال تعالى: ﴿إِن تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلًا كَرِيمًا﴾ [النساء: 31]. وهذه المرتبة تحفظ على العبد سلامة دينه، وتؤمنه من العقوبات الكبرى.
والتقوى في حقيقتها التزامٌ بالأوامر واجتنابٌ للنواهي. قال تعالى: ﴿فَٱتَّقُوا ٱللَّهَ مَا ٱسْتَطَعْتُمْ وَٱسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنفِقُوا خَيْرا لِّأَنفُسِكُمْ﴾ [التغابن: 16].
وقد ذكر القرطبي أن معنى الآية: "اعملوا بطاعة الله واجتنبوا معاصيه على قدر طاقتكم" (الجامع لأحكام القرآن، ج18، ص141).
فالتقوى هي افضل وسيلة لتجنب عن كل ما يؤثم من فعل، وذلك بترك حتى صغائر الذنوب وذاك هو مبتغى بالتقوى في الشرع، قال تعالى : (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَٰكِن كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) (الأعراف: 96) ، وعلى هذا قول عمر بن عبد العزيز (رضي الله عنه)[1]*: التقوى ترك ما حرم الله تعالى وأداء ما افترضه عز وجل، فما رزق الله تعالى بعد ذلك فهو خير إلى خير) ( فريد، 1993، صفحة 13).
- المرتبة الثالثة: تقوى القلوب والاتصال بالله عز وجل وطاعته.
إذ يسعى العبد إلى تزكية نفسه بالابتعاد حتى عن الذنوب الصغيرة التي قد يستخف بها الناس. قال تعالى: ﴿وَذَرُوا ظَاهِرَ الإثم وباطنه﴾ [الأنعام: 120]. فمن أبرز أسس التقوى أن يستحضر المؤمن نظر الله إليه في جميع أحوالهن قال الرازي: "الآية تدل على وجوب اجتناب الذنوب الظاهرة والباطنة، وهو معنى مراقبة الله تعالى في السر والعلن" (التفسير الكبير، ج13، ص147).
وهنا يتجلى أثر المراقبة الداخلية، حيث لا يقتصر المؤمن على اجتناب المعاصي الكبيرة، بل يطهر قلبه وجوارحه من كل ذنب، مهما كان صغيراً. ( فريد، 1993، صفحة 55)
من اهم ما تحققه التقوى هو أن يتنزه العبد عما يشغل نفسه عن الله تعالى ولو كانت مباحات تشغله عن السير لله تعالى او تبطئ سيره، وهذه هي المرتبة العالية مرتبة الكمّل، فان الانشغال بالمباحات يشغل القلب عن الله عز وجل وربما يؤدي الى القسوة والقوع في المحرمات ( المنجد ، 2008، صفحة 26).
حيث يصفو القلب من التعلق بغير الله، ويتحرر من أمراضه الباطنة كالرياء والكبر والحسد، ويعمر بالخوف من الله ورجائه ومحبته. قال تعالى: ﴿ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَٰٓئِرَ ٱللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى ٱلقُلُوبِ﴾ [الحج: 32]. وهذه المرتبة هي حقيقة التقوى التي تجعل العبد يعبد الله كأنه يراه، فإن لم يكن يراه فإنه سبحانه يراه، حيث يبتعد المؤمن عن بعض المباحات خشية أن تجره إلى محرم أو توقعه في الشبهات. وقد أشار القرآن الكريم إلى هذا المعنى بقوله تعالى: ﴿وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ ٱللَّهِ فَهُوَ خَيْر لَّهُ عِندَ رَبِّهِ﴾ [الحج: 30]. وهذا دليل على شدة خوف العبد من الله تعالى، وحرصه على صيانة دينه.
خلاصة القول: إن مراتب التقوى تتدرج من ترك الشرك والكفر إلى ترك الاثام من الكبائر ثم الصغائر، وتنتهي بـ تقوى القلوب التي هي لبّ الإيمان وروحه وكلما ارتقى المؤمن في هذه المراتب، كان أقرب إلى مرضاة الله تعالى، وأعظم مقاماً عنده، فتقوى القلوب هي أساس العمل بالقرآن والاقتداء بالرسول(صلى الله عليه وسلم) اذ ان التمسك بالوحيين هو سبيل بلوغ التقوى وتحقيق مراتبها قال تعالى: ﴿وَٱتَّبِعُوا مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ﴾ [الأعراف: 3].
وقال الطبري: "فيه أمر باتباع القرآن والعمل به، لأنه سبيل الهداية والتقوى" (جامع البيان، ج8، ص278).
المبحث الثاني
أركان التقوى ونماذج من المتقين في القران الكريم
قدّم القرآن في مطلع سورة البقرة وصفاً شاملاً للمتقين، إذ قال تعالى: ﴿ذَٰلِكَ ٱلكِتَٰبُ لَا رَيبَ فِيهِ هُدى لِّلمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: 2]. ثم وصفهم بقوله: ﴿ٱلَّذِينَ يُؤمِنُونَ بِٱلغَيبِ وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَمِمَّا رَزَقنَٰهُم يُنفِقُونَ﴾ [البقرة: 3]، هؤلاء هم النموذج العام للمتقين في القرآن: إيمان بالغيب، عبادة، وإنفاق
قال الرازي: "جمع الله لهم أصول الدين: الإيمان بالغيب، إقامة الصلاة، الإنفاق، الإيمان بالكتب، والإيقان بالآخرة، وهذه هي أركان التقوى" (التفسير الكبير، ج2، ص9).
ويُعَدّ القرآن الكريم المرجع الأسمى في بيان حقيقة التقوى ومظاهرها في حياة الأنبياء والمؤمنين، حيث لم يقتصر الحديث فيه على تعريف التقوى ومراتبها، بل قدّم نماذج حيّة من الواقع البشري تجسّدها بأبهى صورها. فالتقوى ليست مجرد مفهوم نظري يُدرَك بالعقل، وإنما هي منهج عملي يتجلى في السلوك والمواقف والقرارات التي اتخذها عباد الله الصالحون في مواجهة التحديات.
وقد عرض القرآن الكريم صوراً متنوّعة من هذه النماذج، شملت الأنبياء والرسل مثل يوسف وموسى عليهما السلام، الذين أظهروا تقواهم بالصبر على الفتن والابتلاءات والالتزام بالحق، كما شملت المؤمنين الصادقين من أصحاب الكهف، ومؤمن آل فرعون، وأهل بدر وبيعة الرضوان، وغيرهم ممن خلدهم القرآن بصفات المتقين.
إن دراسة هذه النماذج القرآنية للتقوى تكتسب أهميتها من كونها تقدم أنماطاً واقعية للاقتداء، وتبين أن التقوى ليست محصورة في جانب العبادات فقط، بل تمتد إلى جميع مجالات الحياة: من العقيدة إلى الأخلاق، ومن الدعوة إلى مواقف التضحية والثبات. ومن هنا، فإن استقراء هذه النماذج يسهم في ترسيخ المعاني الإيمانية والعملية للتقوى، ويجعلها أكثر حضوراً في واقع المسلمين المعاصر.
المطلب الأول
اركان التقوى في القران الكريم
تشكل التقوى العمود الفقري للإيمان والعمل الصالح في حياة المسلم، فهي تصون العبد عن المعاصي، وتقوده إلى طاعة الله، وتضمن له رضا الرحمن، وقد استُخلصت من النصوص القرآنية سابقة الذكر عدة أركان أساسية تقوم عليها التقوى، يمكن تلخيصها على النحو الآتي:
أولاً: الإيمان بالله ومراقبته (ركن الاعتقاد)
الإيمان بالله تعالى هو الركن الأساسي للتقوى، فلا يمكن للعبد أن يتقي الله مع وجود الشرك أو الكفر في قلبه، ويشمل هذا الركن الإيمان بالغيب، كما ورد في وصف المتقين: ﴿ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلْغَيْبِ﴾ [البقرة: 3]، (القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، ج13، ص147) ومراقبة الله في السر والعلن، كما قال تعالى: ﴿وَذَرُوا ظَاهِرَ ٱلإِثمِ وَبَاطِنَهُۥ﴾ [الأنعام: 120]. (ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، ج2، ص390)
ثانياً: الطاعة والعمل الصالح (ركن السلوك)
التقوى تتجلى في التزام العبد بواجباته الشرعية وترك المحرمات، وقد أبرز القرآن هذا الركن في عدة مواضع أهمها إقامة الصلاة: ﴿وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ﴾ [البقرة: 3]، والإنفاق في سبيل الله: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَٰهُم يُنفِقُونَ﴾ [البقرة: 3]، واتباع ما أنزل الله: ﴿وَٱتَّبِعُوا مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُم مِن رَّبِّكُم﴾ [الأعراف: 3]. (الطبري، جامع البيان عن تأويل آي القرآن، ج8، ص278).
ثالثاً: الورع والبعد عن المحرمات والشبهات (ركن الورع)
يشمل هذا الركن الامتناع عن المعاصي الصغيرة والكبيرة، والحرص على ترك المباحات التي قد تجر إلى الحرام والابتعاد عن الكبائر: ﴿إِن تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء: 31]. وترك المباحات خشية الوقوع في المحرمات: ﴿وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ ٱللَّهِ فَهُوَ خَيْر لَّهُ عِندَ رَبِّهِ﴾ [الحج: 30]. (القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، ج16، ص327)
رابعاً: الإخلاص في النية (ركن الإخلاص)
الإخلاص في العبادة والعمل الصالح هو ركن جوهري في التقوى، لأنه يضمن قبول العمل عند الله: قوله تعالى: ﴿وَمَآ أُمِرُوٓا إِلَّا لِيَعْبُدُوا ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ﴾ [البينة: 5]. والإخلاص يبعد العبد عن الرياء ويقوي صلته بالله تعالى. (القرضاوي، يوسف، التقوى وآثارها في حياة المسلم، القاهرة، 1996م)
خامساً: الصبر والاعتماد على الله (ركن الصبر والتوكل)
أوضح القرآن أن التقوى تتطلب صبراً عند الابتلاء، وتوكلاً على الله في مواجهة الصعاب: قال تعالى ﴿ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَٰلَهُم بِاللَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ سِرّا وَعَلَانِيَة فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: 274]. (ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، ج5، ص412)
مما تقدم يمكننا القول ان التقوى في القرآن الكريم تقوم على خمسة أركان رئيسية:
- الإيمان بالله ومراقبته.
- الطاعة والعمل الصالح.
- الورع والبعد عن المحرمات والشبهات.
- الإخلاص في النية.
- الصبر والاعتماد على الله.
فالتقوى ليست مجرد شعور قلبي، بل هي سلوك عملي يظهر في الأقوال والأفعال، وهي عنوان النجاة في الدنيا والآخرة، ولذلك فإن المسلم مطالب بالسعي المستمر لتحقيقها وتنميتها، فهي في الدنيا منجاة من كيد الكافرين والمنافقين (بيوحي، 2005، صفحة 218)، قال تعالى: ( إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِها وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ ) (ال عمران: 120)، واذا صبر المؤمنون على طاعة الله تعالى فان تعالى يحفظكم من كيد الاعداء، ولن يضروهم، لانهم في حفظ الله ورعايته، وفي ذلك تسلية للمؤمنين وتقوية لنفوسهم حتى يصبروا ( ابن عاشور، 2000، صفحة 684).
كما أن للمتقين في الاخرة جنة عرضها السموات والارض (بيوحي، 2005، صفحة 223)، قال تعالى : (مَّثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِّن مَّاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِّن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ )، "ومن فضل الله تعالى انواع النعيم والعذاب وصفوف المتاع والالآم وفق علمه المطلق بالعباد، ولإستجابة همتهم للعمل، كما يصلح لجزائهم ويرضي نفوسهم، ان يكون لهم انهار من ماء ولبن لم يتغير طعمه، أو انهار من عسل مصفى او انهار من خمرة لذة الشاربين، او صفوف من كل الثمرات مع مغفرة من ربهم تكفل لهم النجاة من النار والمتاع بالجنات" (سيد قطب، 2008، صفحة 256).
المطلب الثاني
نماذج من قصص التقوى في القران الكريم
إنَّ القرآن الكريم لم يقتصر على بيان مفهوم التقوى ومراتبها وآثارها، بل قدَّم نماذج عملية واقعية جسَّدت هذا الخُلق العظيم في حياة الأنبياء والصالحين. وهذه النماذج لها دور تربوي بارز في ترسيخ التقوى في نفوس المؤمنين، إذ تُبرز كيف واجه المتقون المِحن والابتلاءات، وكيف حفظهم الله بسبب تقواهم. ويمكن تقسيم هذه النماذج إلى قسمين:
أولا: نماذج من تقوى الأنبياء
- تقوى يوسف عليه السلام
يُعَدُّ نبي الله يوسف عليه السلام من أعظم النماذج القرآنية التي جسَّدت التقوى في أبهى صورها، إذ ابتُلي بألوان من الفتن والمحن، فكان موقفه في كل ذلك مثلاً أعلى في الصبر والعفة والخوف من الله، فقد تعرّض لموقف بالغ الصعوبة حين دعته امرأة العزيز إلى الفاحشة، فاستعصم بالله، قال تعالى: ﴿قَالَ مَعَاذَ ٱللَّهِ إِنَّهُ رَبِّيٓ أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ ٱلظَّٰلِمُونَ﴾ [يوسف: 23].
قال ابن كثير: "كان في غاية الشباب والجمال، وهي ذات منصب وجمال، ومع ذلك استعصم خوفاً من الله، وهذا من كمال التقوى" ( بن كثير ، 1401هـ.، صفحة 369)
لم تقتصر فتنة يوسف على محاولة امرأة العزيز وحدها، بل اجتمعت النسوة على مراودته، فكان رده دعاءً صادقاً، قال تعالى:
﴿قَالَ رَبِّ ٱلسِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِيٓ إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ ٱلجَٰهِلِينَ﴾ [يوسف: 33].
في هذا الموقف تجلت عظمة تقواه؛ إذ فضّل السجن بما فيه من حرمان ووحشة على أن يقع في معصية تغضب الله.
قال الرازي: "هذا دليل على أن العاقل ينبغي أن يختار أصعب العقوبات على ارتكاب المعاصي، لأنه يعلم أن العقوبة الأخروية أشد وأبقى" ( الرازي، 2001، صفحة 242).
بعد خروجه من السجن وتوليه خزائن مصر، لم يتغير حاله، بل ظل متقياً لله في أمانته، فقال تعالى: ﴿قَالَ ٱجْعَلْنِي عَلَىٰ خَزَآئِنِ ٱلأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيم﴾ [يوسف: 55].
يظهر في هذا الموقف جانب آخر من التقوى، وهو الأمانة في المسؤولية، حيث جمع بين الحفظ (الورع) والعلم (الكفاءة).
قال القرطبي: "جمع يوسف بين صفتي الدين والعلم، وهما أساس التقوى في الحكم والتصرف" (القرطبي، 2006، صفحة 223)
بلغت تقوى يوسف عليه السلام ذروتها حين اجتمع بإخوته الذين ظلموه وألقوه في غياهب الجبّ، فكان عفوه عنهم أرقى صور التقوى: قال تعالى:
﴿قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ ٱلْيَوْمَ يَغْفِرُ ٱللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ ٱلرَّاحِمِينَ﴾ [يوسف: 92].
قال ابن عاشور: "هذا أسمى مظاهر التقوى، إذ لم يقتصر يوسف على ترك مؤاخذتهم، بل دعا لهم بالمغفرة والرحمة" ( ابن عاشور، 2000، صفحة 278)
تقوى موسى عليه السلام
يُعَدّ نبي الله موسى عليه السلام من أعظم الأنبياء الذين جسّدوا معاني التقوى في حياتهم العملية، إذ ابتُلي بمواقف شديدة الخطر منذ شبابه إلى بعثته، فكان في كل موقف مثالاً للخوف من الله والاعتماد عليه. وتجلت تقواه في صور متعددة ابرزها تقواه في الاعتراف بالذنب والتوبة
ظهر أثر التقوى في حياة موسى منذ شبابه، حين قتل الرجل القبطي خطأً، فاستشعر الخوف من الله ولجأ إليه بالدعاء: قال تعالى:
﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَٱغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُۥ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ﴾ [القصص: 16].
قال الطبري: "اعترف موسى بذنبه وتاب منه، فعفا الله عنه، وهذا من أعظم دلائل تقواه وخشيته لله" (الطبري، 2007، صفحة 214)، الموقف يبرز أن الاعتراف بالخطأ والرجوع إلى الله سمة أساسية من سمات المتقين.
وتقواه في اللجوء إلى الله وقت الخوف بعد الحادثة، شعر موسى بالخوف من بطش فرعون وقومه، فاتجه إلى الله بالدعاء قائلاً:
﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ ٱلۡقَوْمِ ٱلظَّٰلِمِينَ﴾ [القصص: 21].
قال الرازي: "موسى جعل تقواه في التوكل على الله حين أحاطت به الأخطار، ففراره كان جسداً ودعاؤه كان قلباً متعلقاً بالله" ( الرازي، 2001، صفحة 41)، هذا يُظهر أن المتقين يفرون إلى الله في لحظات الضعف لا إلى غيره.
وتقواه في أداء الأمانة والعدل عندما ورد ماء مدين وسقى للمرأتين، ثم جاءه أبوهما يدعوه ليكافئه، قال تعالى:
﴿فَجَآءَتْهُ إِحْدَىٰهُمَا تَمْشِي عَلَى ٱسْتِحْيَآء قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَآءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ ٱلْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّٰلِمِينَ﴾ [القصص: 25].
هنا يظهر جانب الأمانة؛ فقد سقى موسى لهما ابتغاء وجه الله دون انتظار مقابل، قال القرطبي: "تصرف موسى نابع من شهامة وتقوى، إذ لم يستغل ضعف المرأتين، بل أعانهما ثم انصرف" (الطبري، 2007، صفحة 327)
وتقواه في الدعوة والرسالة حين كُلّف موسى بالرسالة ومواجهة فرعون، كان همه الأول أن يعينه الله بالهداية والصبر، فقال:
﴿قَالَ رَبِّ ٱشْرَحْ لِي صَدْرِي، وَيَسِّرْ لِيٓ أَمْرِي ، وَٱحْلُلْ عُقْدَة مِّن لِّسَانِي، يَفْقَهُواْ قَوْلِي﴾ [طه: 25-28].
تقواه هنا تتجلى في إدراكه أن التوفيق من عند الله وحده، لا من قوة بشرية ولا من سلطان دنيوي. قال ابن عاشور: "ابتدأ موسى دعوته بالاعتماد على الله، وهو جوهر التقوى" ( ابن عاشور، 2000، صفحة 89).
ثانيا: نماذج من تقوى المؤمنين
- أصحاب بيعة الرضوان
أشاد القرآن بالمؤمنين الذين بايعوا النبي (صلى الله عليه وسلم) تحت الشجرة على الثبات والجهاد، واعتبر بيعتهم دليلاً على صدق تقواهم:
﴿لَقَدْ رَضِيَ ٱللَّهُ عَنِ ٱلْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ ٱلشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ ٱلسَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفتح: 18].
قال القرطبي: "علم ما في قلوبهم من الصدق والوفاء والنية الصالحة، وهي من أعظم دلائل التقوى" (القرطبي، 2006، صفحة 281)
- أصحاب الكهف
قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى، وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [الكهف: 13-14].
هؤلاء الفتية اتقوا الله فاعتزلوا قومهم المشركين، وضحوا براحتهم وأمنهم في سبيل الإيمان، قال القرطبي: في قصتهم أعظم دليل على أن التقوى تهدي أصحابها للثبات عند الفتن. (القرطبي، 2006، صفحة 318).
- مؤمن آل فرعون
قال تعالى: ﴿وَقَالَ رَجُل مُّؤْمِن مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَٰنَهُۥ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَن يَقُولَ رَبِّيَ ٱللَّهُ﴾ [غافر: 28].
هذا الرجل جاهر بالحق في مجلس فرعون رغم خطر القتل، فكان مثالاً للشجاعة والتقوى. قال الرازي: آثر التقوى على السلامة، فنصر كلمة الحق في وجه الباطل.
- أصحاب بدر
قال تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَٱسْتَجَابَ لَكُمْ﴾ [الأنفال: 9].
نزلت في معركة بدر، حيث وقف المؤمنون صفاً واحداً مع قلة العدد والعدة، فمدّهم الله بمدد من الملائكة، وصفهم النبي صلى الله عليه وسلم بأنهم: "خير أصحاب" (رواه مسلم)، وذلك لإيمانهم وتقواهم وصبرهم.
- آل عمران (آل عمران وزوجته حنّة وابنتها مريم عليها السلام)
قال تعالى عن امرأة عمران: ﴿إِذْ قَالَتِ ٱمْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرا﴾ [آل عمران: 35].
كما مدح الله مريم عليها السلام بقوله: ﴿ وَمَرْيَمَ ٱبْنَتَ عِمْرَٰنَ ٱلَّتِيٓ أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَٰتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ ٱلْقَٰنِتِينَ﴾ [التحريم: 12].
هؤلاء يمثلون تقوى الطاعة والعبادة والوفاء بالعهد مع الله. قال الرازي: آثر التقوى على السلامة، فنصر كلمة الحق في وجه الباطل. (محمود و دلشاد ، 2025، صفحة 17)
خلاصة للقول تُبرز هذه النماذج أن التقوى ليست مفهوماً نظرياً مجرداً، بل هي واقع عملي جسّده الأنبياء والصالحون، فحُفظوا ورُزقوا التوفيق والكرامة. وهذه النماذج القرآنية تظل ماثلة أمام المؤمنين لتكون زاداً لهم في مواجهة الفتن والابتلاءات.
الخاتمة
الحمد لله الذي بشكره وفضله علينا تتم الصالحات، الذي علمنا مالم نعلم، الحمد الله على توفيقه وأعانته لنا ونسأله المزيد من انعمه علينا، والصلاة والسلام على خير من أشرقت به الأنوار محمد (صلى الله عليه وسلم) وعلى آله الطيبين وأصحابه الأبرار أجمعين ومن اتبع هداه الى يوم الدين, ختاما لبحثي هذا فاني قد توصلت إلى النتائج الأتية:
- المتقي هو من يقي نفسه من المحرمات والمعاصي ويتقي الشهوات وبذلك يتقي عقاب الله تعالى بخشية والخوف منه عز وجل.
- يجب اتخاذ الوقاية والاحتراز من الشرور وذلك لصيانة النفس عن كل ما يبعدها عن الله تعالى.
- استخدام القرآن الكريم مصطلحات ذات علاقة بالتقوى من امثال: الخوف والرهبة والخشية والهيبة والوجل والحذر والاشفاق فان هذا الاستخدام يجعل هذه التعابير ترتبط بالتقوى وتعمق معناها.
- اتقاء الاعمال المخلدة لفاعلها في النار واجتناب الآثام المؤدية الى غير طريق الهداية وعدم الانشغال عن الله عز وجل.
- تدبر القرآن الكريم وفهم معانيه والكشف عن اسراره طريق يحقق التقوى.
- جهاد النفس والابتعاد عن الوسائل المبعدة عن الطريق الصحيح.
- العبادة تمثل ركنا اساسيا وعمودا فقريا من اعمدة التقوى ولا يمكن الوصول الى التقوى الا بأداء العبادات المفروضة والمحافظة عليها.
- شمول مفهوم التقوى للدنيا والآخرة وهي خير وسيلة تنجي الانسان من كروب الدنيا والاخرة وتدفع عنه البلايا والمصائب.
المراجع والمصادر
- سير اعلام النبلاء، الامام شمس الدين محمد بن احمد بن عثمان الذهبي، 10/203، تحقيق الكتاب: شعيب الاونوؤط، تحقيق الجزء العاشر: حمد نعيم العرقوسي، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط1، 1402هـ - 1982م.
- ايسر التفاسير لكلام العلي الكبير، ابو بكر جابر الجزائري، دار الفكر، بيروت، بدون طبعة، 1998م.
- التبيان في تفسير غريب القرآن، شهاب الدين احمد بن محمد الهائم المصري، ت(815 هـ)،تحقيق: فتحي انور الدابلوي، دار الصحابة للتراث، طنطا – مصر، ط1، 1412هـ - 1992م.
- التحرير والتنوين، محمد ابن عاشور، مؤسسة التاريخ، بيروت – لبنان، ط1، 1420هـ -200م.
- التعريفات علي بن محمد بن علي الجرجاني، ت (816هـ)، تحقيق: ابراهيم الايباري، دار الكتاب العربي، بوت، ط1، 1405هـ.
- تفسير البحر المحيط، محمد بن يوسف الشهير بأبي حيان الاندلسي، ت (745هـ)، دراسة وتحقيق وتعليق: عادل احمد عبد الموجود، علي محمد معوض، دار اك العلمي، بيروت – لبنان، ط1، 1413هـ،1993م.
- تفسير القرآن العظيم، اسماعيل بن عمر بن كثير الدمشقي لابو النداء، ت (774هـ)، دار الفكر، بيروت – لبنان، بدون طبعة، 1401هـ.
- التفسير الكبير (مفاتيح الغيب)، فخر الدين محمد بن عمر التميمي الرازي، 21/203.
- التقوى (اعمال القلوب)، محمد صالح المنجد مجموعة زاد للنشر، المملكة العربية السعودية، ط1، 1430هـ - 20م.
- التقوى الغاية المنشودة والدرة المفقودة، احمد فريد، دار الصيامي، للنشر والتوزيع، الرياض، ط1، 1414هـ - 1993م.
- التقوى في هدي الكتاب والسنة وسير الصالحين، محمد اديب الصالح، دار القلم، دمشق، ط1، 1421هـ - 200م.
- جامع البيان عن تأويل القرآن، ابو جعفر محمد بن جرير الطبري، ت (310هـ ) تحقيق: احمد عبد الرزاق البكري واخرون، دار السلام، ط2، 1428هـ- 2007م.
- الجامع لاحكام القرآن، ابي عبدالله محمد بن احمد الانصاري القرطبي، ت(671هـ)، تحقيق: عبدالله بن عبد المحسن التركي، مؤسسة الرسالة، بيروت_ لبنان، ط1، 1407هـ - 2006م.
- الرعاية لحقوق الله، ابو عبداله الحارث بن اسد الحاسبي، ت(243هـ)، دار الكتب العلمية، بيروت، بدون طبعة او تاريخ.
- زيدة التفسير من فتح القدير، محمد بن سليمان عبد الاشقر، دار النفائس، عمان، ط1، 2006م.
- في ظلال القر، سيد قطب، ت(1966م)، دار الشروق، القاهرة، ط: 37، 1429هـ - 2008م.
- القاموس المحيط للعلامة مجد الدين محمد يعقوب الفيروز ابادي، ت(817هـ)، تحقيق: احمد بن عبد الرحمن المرعشلي، دار احياء التراث العربي، بيروت، لبنان، ط2، 1424هـ- 2003م.
- الكشف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الاقاويل في وجوه التأويل، ابي قاسم محمود بن عمر الزمخشري، ت(538هـ)، تحقيق وتعليق ودراسة : عادل احمد عبد الموجود، علي محمود معوض، وشارك في تحقيقه: الاستاذ الدكتور فتحي عبدالرحمن احمد حجازي، مكتبة الجيكان، الرياض، ط1، 1418هـ، 1998م.
- الكليات معجم في المصطلحات والفروق اللغوية، ايوب بن موسى الحسيني الكوفي، ت(1094هـ)، تحقيق: عدنان درويش- محمد المصري، مؤسسة الرسالة، بيروت، بدون طبعة، 1491هـ، 1998م.
- مختار الصحاح، زين الدين محمد بن ابي بكر عبد القادر، ت666هـ، تحقيق: حمزة فتح الله، مؤسسة الرسالة، بيروت، بدون طبعة، 1421هـ- 2001م.
- المصباح المنير في غريب الشرح الكبير للرافعي، احمد بن محمد بن علي المقرني، ت(770هـ)، تحقيق يوسف الشيخ محمد، المكتبة العصرية، بدون طبعة، بدون تاريخ.
- المعجم الوجيز لالفاظ القرآن الكريم، نبيل عبد السلام هارون، دار النشر للجامعات، ط1، 1417هـ - 1997.
- المعجم الوسيط، ابراهيم مصطفى، احمد حسن الزيات، حامد عبد القادر، محمد علي النجار، تحقيق: مجمع اللغة العربية، مكتبة الشروق الدولية، مصر، ط4، 1425هـ- 2004م.
- معجم مقاييس اللغة، ابي الحسن احمد بن فارس بن زكريا، ت(395هـ)، تحقيق: عبدالسلام محمد هارون، دار الجيل، بيروت، ط2، 1420هـ - 1999م.
- مفردات الفاظ القرآن، الحسين بن احمد بن الفضل الراغب الاصفهاني، ص881، تحقيق : صفوان عدنان الداوودي، دار القلم، ط: 2،1418هـ - 1997م.
- من وصايا الرسول (صلى الله عليه وسلم) الجامعة، محمد بيوحي، دار الغد الجديد، المنصورة – مصر، ط1، 1426هـ-2005م.
- السياق وطرق الدلالة عن الاصوليين والمفسرين، مشتاق علي الله ويردي، كركوك: مجلة جامعة كركوك للدراسات الانسانية، المجلد19، العدد الثاني، 2024.
- دستور العلماء او جامع العلوم في اصطلاحات الفنون، عبد النبي بن عبد الرسول الاحمد القاضي، تحقيق: حسن هاني . لبنان،بيروت: دار الكتب العلمية، 2000.
- الواقعية في القران الكريم، ايات مختارات نموذجا "دراسة موضوعية، كريم نجم خضر، كركوك: مجلة جامعة كركوك للدراسات الانسانية، المجلد6، العدد1. 2012.
- جسام محمد المشهداني، النور البارق في مسألة القياس مع الفارق وبعض من تطبيقاتها الفقهية. كركوك: مجلة جامعة كركوك للدراسات الانسانية المجلد(20)العدد الاول- الجزء الأول، 2025.
- سميرة عبدالله محمود، و جلال محمد دلشاد، الكليات الفقهية للإلمام المقري دراسة تطبيقية في الحدود. كركوك: مجلة جامعة كركوك للدراسات الانسانية المجلد(20) العدد الأول- الجزء الأول، 2025.
* "أمِيرُ المُؤمِنين وخَلِيفةُ المُسْلِمين الإمامُ العابد والتقيُّ الزَّاهد أبُو حَفْص عُمَر بن عَبد العَزيز بن مَروان بن الحَكَم بن أبي العاص الأُمَويُّ القُرَشيُّ (61 - 101 هـ / 681 - 720 م)، هو ثامن خُلفاء بَني أُمَيَّة، والخليفة الثالثَ عشرَ في ترتيب الخُلفاء بعد النَّبيِّ مُحمَّد ﷺ" (الذهبي، 1982، صفحة 10/ 230)